الأربعاء، 30 يونيو 2021

الشُّرفة

 

الشُّرفة

 وصلتُ إلى تلك الشُّرفة الواسعة مع وصول خيوط الشمس الذهبية إليها. سطع النور بداخلها، وانعكس على قطعة أثاث موجودة مُشَكِّلًا قطعًا ذهبيَّةً باهرة الشكل واللون، تشبه ذلك الأثاث الذهبيِّ من عصر بابل والرّومان. كان صباحًا جميلًا يُغلّفه الهدوء، والمكان قديم كما المبنى التراثي المليء بالنقوش والزخارف، تستطيع أن تُقَلِّب نظرك بين نقوش بارزة وأخرى غائرة، تراقص خيوط الضوء متمايلةً في دلال فريد!

تفوح رائحة التراث من كلّ شيء في هذا المكان، الكراسي مصنوعة من سعف النخيل، والستائر حريريّة كلون السماء. يمكنك أن ترى الباحة الواسعة أسفل الشرفة، تزيِّنها النوافير الممتلئة في كلّ جانب، يرتفع منها الماء قليلًا بتدرّج، محدثًا صوت خرير يصل إلى مسمعك في الشُّرفة. تجذب أعينك تلك الشرفات البعيدة أمامك في الاتجاهات الأربعة، كأنّها أحواض زرع من كثرة ما تدلَّى منها من نباتات خضراء باهتة. شعرت أنني مدعوٌّ إلى هذا المكان، وأنني قدمت من مسافة بعيدة لهذا الغرض، ربما هي دعوة من فنان تراجيدي مشهور.

اعتقدت أنّ هناك خطأً ما؛ قبل الاستدارة إلى الداخل، بدأ الماء يرتفع تدريجياً من جميع النوافير في رقصة سريالية جميلة بألوان مختلفة، كأنّها تُرحِّب بشخص قادم. سمعت شخصًا ما يقول: إحم. إحم. استدرتُ، نظرتُ إليها في مفاجأة القدر!

كانت الابتسامة تشقُّ ثغرها الصغير الوردي اللون في رقة وعذوبة، الهدوء ما زال طاغيًا، عينها القرمزية الناعسة بدأت تأخذ ألوانًا مختلفة، تجعل الناظرَ يسترخي إليها في لحظة صفاء وجمال لا نهائي، أنف صغير بين وجنتَيْن بارزتَيْن، شعر حريري تسلَّل على كامل جسدها، ولون الحرير الملتصق الذي ترتديه، يشفُّ تفاصيل جسمها الفوَّاح برائحة العطر الورديِّ، الذي لا يتسلَّل إلى أنفي فقط، بل إلى إحساسي.

أهلًا بكَ.

شعرت لوهلةٍ أنني أعرفها منذ زمن طويل! ظلَّت محافظةً على تلك الابتسامة الساحرة، كانت واقفةً خلفي بين الجالسين، على حافة الشُّرفة يوجد رجلٌ آخر طغت عليه علامات الوسامة، وزيَّنت مُحيَّاه ابتسامة، ولكنّه ظلَّ ينظر إليَّ دون أن يحدِّثني، لاحظت وجود كاميرا بيديه حين بدأ يلتقط لي بعض الصور وهي تقف خلفي، ارتأت أن تحتويني بيديها من الخلف أثناء التصوير، وهي أكثر دفئًا وابتسامًا.

كلّ شيءٍ يحدث بسرعة، لا أعلم لماذا أنا هنا! لا أعلم لماذا احتضنتني أثناء التصوير! شعرت أنني في عالم غير عالمي الواقعيِّ، كلّ دقيقة كانت تسعدني أكثر مما قبلها، سمعتها أخيرًا تتحدّث مع ذلك الرضيع ذي الأشهر الأولى الذي وجدتُه فجأة بين يديها، تتحدث معه بكلمات حنونة تنظر إليَّ. انظر إليه، أليس جميلًا.

انتهى المشهد حين قالت للرجل الوسيم: لنبدأ الآن تصوير قصة الحب التي عشتها مؤخرًا.

لا أعلم كيف علمت بها، ولا أعلم من أنا، ولماذا أنا هنا؟ 

استيقظت من نومي، قلت: إنه حلمٌ. حاولتُ مرّة أخرى الاستغراق في الحلم، لكن المشهد بدا مختلفًا.

بدأ ذلك الرجل بتثبيت الكاميرا من زاوية الرؤية بالصوت والصورة، نظرت لي قبل البدء وهي تبتسم وتنظر لي بشغف العاشق الذي عاد إلى حضنها، قال لي: سوف نبدأ، بدأت تتحدث في سؤالها وأنا أرى الوميض الأحمر من تلك الكاميرا، اعتدلت الجلوس ونحن ننظر إلى بعضنا، بعد الترحيب وضيافة المكان، شعرت بأنّ هناك موسيقى خافتة تبثّ رحيقها من الغرفة المجاورة، كانت القوى التي أضافت تحت السماء تنسكب رحيقًا. 

- سيّدي، ما نظرتك للحياة؟

- تقصدين الآن أو قبل ثلاثين سنة؟ طبعًا الفكرة مختلفة، عندما يتقدّم الإنسان تزداد خبراته، يتفاعل مع الحياة بشكل مختلف.

- سيّدي، السؤال التالي يحتاج إلى أن تنظر إلى الكاميرا مباشرة، أريدك أن تصف الفرق بين الماضي والحاضر من خلال رحلة الحياة التي عشتها بصورة شاعرية.

نظرت إليها كشاعر، واستدرت إلى الكاميرا، تأثير الموسيقى كان حاضرًا. استحضرت ذلك الخيال، كنت على صخرة فوق التلال أرى البحر من مسافة، كان هناك فضاء فسيح العمق، كان خيالي متزامنًا مع فؤادي، أنظر إلى الأشياء كأنّها تحدث، جاء المنادي يقول: إنها تنتظرك، أين هي؟

أذهب إلى تلك الشجرة القريبة من البحر، تقدمت الخطا، لم يكن البحر هادئًا، أمواج تتلاطم ولكن الشجرة حافظت على الهدوء أمام الرياح، أخذت جانبًا من ظلال أنظر من جميع الأنحاء ربما تكون في انتظاري، جلست كالقرفصاء أنظر إليه بحنان الوادي الأخضر، أنظر إلى البحر بين ظلّ الشجرة الثابت، وضعت رأسي بين أرجلي المقرفصة، أتابع خيالي لبضع دقائق، ربما أجد الفقد الذي أنتظره، بصورة مفاجئة وقفت الرياح متزامنةً مع تلك الأمواج التي كانت طاغية قبل لحظات.

رفعت رأسي وعيناي ترقصان شاخصتين ترنوان إلى آفاق بعيدة، رأيت قارباً صغيراً لونه أبيض يتهادى على صفحة الماء، بدأ يقترب من السّاحل، له سارية صغيرة عليها علمٌ واحد لونه أبيض، يشعرك بالسلام. توقفت المجاديف، وقفت على رجلي تقدمت الخطا بكلّ هدوء، الأبيض كان ثوبها الطويل والهواء البارد أزاح جزءاً من حنين، أشرت إليها بأنني ضائع في التيه، تقدّمت أكثر مما توقعت، وقعت على صدري تشتكي الريح الذي أفاق روحها، قالت: أين الشُّرفة؟

أمسكت يدها حين وجدنا أنفسنا على الشُّرفة بثياب جديدة، نرقص بين السّحر والواقع، أضاءت الأنوار الموسيقية والنوافير السّحرية، قفزنا عاليًا بقدوم الوالي الجديد للقصر، بدأ حفل الرقص وانتصر الحب.

الثلاثاء، 21 يوليو 2020

الإرادة والتغيير

أحلامنا في هذه الحياة لا تتعدى أن يكون الإنسان فيها صالحاً محباً للخير عطوفاً بوالديه وبالآخرين، ولكن هناك - في الوقت نفسه - من يريد إعمار الأرض، وهناك من يريد خرابها. التحوّلات التي نعيشها ونلمسها ليست بقدرنا كما هي بقدر من خلق هذا الكون، قتل الإنسان لأخيه الإنسان باسم الخروج عن الطاعة ليس له دليل شرعي، وإزهاق الأرواح بمثل هذه المبررات هو دليل الفشل في الإدارة والتعامل، وإراقة الأرواح أيضاً أصبحت كالكبش داخل الحظيرة ينتظر الدور للوليمة القادمة.

يا عباد الرّحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم الله، هذه الثروات سوف تبقى كما أبقاها فرعون من غير إرادته، وهناك من يأتي وسيأخذ ما تُرك، الطمع لن يجني شيئًا سوى هلاك الآخرين، القوة التي تسلبكم إرادتكم زائلة أيضاً، وأنتم تعلمون هذا جيّداً، الشعب المغلوب على أمره يرى ويسمع، ولكن سيأتي اليوم الذي يدافع فيه عن إرادته، لا بُدّ أن يدافع عن نفسه وباسم الدين أيضاً، ولكن النهاية الحتمية تكون لإرادة الشعب وقانون الله، الوقت قصير والحياة دؤوبة تجري كالرياح الموسمية، إما أن تسقيك وأما تهجرك.

يغفل البعض عن دراسة التاريخ جيّداً وأخذ العظة والعبرة من أحداثه، بل لا يدرك طبيعة البشر ولا تطورها الجسمي والفكري، ومقارنة الأمس القريب باليوم القريب، وكل همّه ينحصر في ابتكار الوسائل التي يُكمّم بها فَمَ هذا المواطن لكيلا يطالب بحريته الشخصية والعامّة، وتحطيم شخصيته يومًا بعد يوم، أمام مجتمعه والعالم، ليكون مطيعاً ودوداً للرّاعي كيفما شاء.

ومع ذلك، ارتفعت أصوات الأفواه، وسال مداد الأقلام مع مرور الليالي والأيام، مطالبة بالتغيير، تريد أن تحيا حياة كريمة نشعر فيها بالأمن والأمان، يداً بيد نبني هذا الوطن، ونقف في وجه من يسلبنا أرضنا أو إرادتنا، راسمين حلقة دائرية، لا شرقية ولا غربية، فقط إرادة مجتمع تكون حرباً لمن حاربنا وسلمًا لمن سالمنا.

إن نبضات قلب أيّ مواطن على هذه الأرض الطيبة هي سبب حياتها واستمرارها، فمتى نقف وقفةً جادّةً لردم الفوّهات، والسير معاً في خطٍّ مستقيم، على هدي ما جاء به رسولنا الكريم محمد ﷺ، من تعاليم تدعو إلى المحبة والخير والسلام؟!.

الوقت من ذَهب

يتهيأ الإنسان عند مطلع حياته وبعد فترة من نضجه إلى حُلمه والأستقرار مع شخص قد رسم جزءاً منه حين يضيف شيئاً من الألوان، منها قزحية ومنها ورود منمقة تضرب خياله ليبدأ بوضع الحجر الأساسي في عقله الحقيقي والباطني لطبيعة روحية ذاتية تتعلق بكيانه وعواطفه ورومانسيته الحقيقة التي كثيراً ما عانق نفسه لتلك الرؤية.

وتتوالى الصور وتستمر الأيام حين يبدأ الخيار في عالم ليس لك عليه بمسيطر، وإن دققت النظر واتخذت القرار إلا أنه يظل مرتبطاً أحياناً بقدرك المحتوم، لكن القاعدة المثالية تظل تنمو في عقلك الباطن يوماً بعد يوم أثناء التجربة من عمرك والآخر الذي ملأ وقتك، وربما قلبك إن قدر الله ذلك.

ونبدأ في قليل من الفرح والألم معاً نجاهد لتلك التلبية الربانية الاجتماعية المرتبطة بالتكاثر والحفاط على هذا الكون الفسيح الذي خُلقنا أن نعيش فيه حتى نؤسس مبادئنا المُعتقدة المعبرة عن فضيلتنا المفترضة إما بالحقيقة الفعلية أو الزَيف المفترض أيضاً والجميع يصرخ بداخله أو خارجه بثبات موقفه الافتراضي أصلاً؛

لأن الحقيقة ليست ثابتة تتبدل بثائيتها مع العالم المتغير، وهنا ندقق على أن التغيير يتحقق في كل ثانية من حياتنا بفعل نواميس الحياة المشتركة بين البشر والأرض والنجوم والكون أجمع.

من هنا تستطيع أن تشكل أفقك في كل ثانية على أساس النجاح والفشل والجديد، أن تكون جديداً كما أستطعت بفعل إرادتك الصلبة وليس مبادئك البالية التي لم تتطور وأنت في غفلة بلهاء مِنك ربما نتعبرها أنانية الإنسان التي يعي إليها إلا والضحايا تسبح حوله ينظر إليهم كأنهم حيتان نافقة ماتت على ساحل البحر تتنظر من ينقذ من!!

ومع كل ذرة أسف يتطور الكون والعلاقات البشرية لفعل آخر في حين يستمر خلافنا وصراخنا مع أنفسنا المستمر المبني على الجهل المركب المرصود في زاوية حادة لا يمكن تصحيحها حتى علماء الرياضيات، ومع تقدم الزمن ويوماً بعد يوم يرزقك الله بشموع واحداً بعد الآخر معبرأ لهم عن حبك واتصالك معهم تُجهد وقتك جُله في لقمة عيش هنية تتزامن مع عطاء روحك لهم جميعاً بإحساسك الداخلي ينمو يوماً بعد يوم في استشراق المستقبل، مع افتراضك أن يصبحوا علماء للبشرية مع ما تزرعه من خُلقٍ حَسن.

هكذا في الأحوال الطبيعية لكن البشر تنزلق إما في بركان أو في بئر ممكن إنقاذك منه إذا وطأ ذلك الفارس ليمد يديه إليك وينقذك.

أما أخطاؤنا فهي متراكمة أحياناً أو مباشرة يراها الجميع، منها من تسبب في قيادتك إلى تلك الأفعال بفعل ضعف الإنسان أحياناً عندما ينزلق، لكن المؤكد لكل فعل وله سبب، وهنا ننظر الى ميزان الحياة بين الأطراف الثائرة دائماً لثورة ليس لها طعم، مخلفةً الدمار للجميع وقيادتهم الى عالم الحي الميت أو العكس.

وأما الثورة التنموية وهي العشق المؤطر الذي ينساب مع الحياة في الظل والظلال يداً بيد تنمو الشموع وتتوقد شعلتها إلى اليوم المحتوم بهذا حققت السعادة وأثرت النقاء وعززت التسامح وركبت السفينة إلى ميناء الوصول

لكن الأكبر والأكبر، كيف تتسامح مع نفسك دائماً وتلغي الأنانية المفرطة المبنية على إلغاء الآخرين؟

هنا السؤال يأتي! كم سوف نعيش؟

العقل سيد الموقف

أظنّ، والله أعلم، أننا على عتبة النزوح الفكري المتغيّر والمتحوّل للمزيد من التجارب التي تستدعي التفاعلات والارتدادات التي لا نعلم من نتائجها إلا القليل؛ لأنّها تخضع حالياً في معمل التجارب.

حينها تتقدّم الشعوب وتعرف داءها ودواءها لعصر قد يكون ملهماً للبعض ويسقط للآخر، والعقل سيّد الموقف إذْ بإمكانه أن يُراهن على الحركة والبركة معاً تحت الضمير الواعي الذي طالما رُسمت أهدافه لطريق آخر له جودته في البقاء أثرٌ طويل، وغالباً ما يكون تحت طائلة استقصاء المجتمع الذي من خلاله أن نُحسن الأسلوب والطريقة للإصلاح بفعل الإرادة والعقد الاجتماعي الذي يفرض القرار على صاحب القرار، ومن هنا يبدأ الإصلاح الحقيقي والنوعي في شتى المجالات لمستقبل محله الإعراب الصحيح المبني على اللانصب أو المنصوب، هذا إن كان للضمير طريق.

أما بعد، فهناك العائقون والمفسدون ينظرون ويقرؤون شياطينهم كي تلعب وتختار المهاجم والمدافع في آنٍ واحد واضعةً تلك الابتسامة العريضة في الانتظار والتنفيذ ما اتُّفق عليه من التطوير والتغيير، ومن هنا يبدأ الوعي الذي يراه الآخرون وهو المجتمع في هَمسات بعضهم في التصدّي والتنفيذ، ومن هنا أيضاً يبدأ المقرّرون استخدام الثرومستات الحقيقي للقياس إما للمواربة أو فتح الباب في اتجاه 20 أو أقلّ من أصل 360 درجة، حينها يبدأ الطارق والطارقون الدّق على الباب والأبواب معاً لانفراج الزاوية بأكملها إن فُرجت.

أما بعد، فتبدأ الانطباعات في التدوين مع تلك الأقلام المؤيّدة والمُعارضة للسبيل المحتوم، أن نتفق أو لا نتفق لأمدٍ قد يكون فصله طويلاً أو قصيراً حسب وعي الطلب والعدد والنوع، ومع آلة الحداثة والإعلام في جميع الوسائل الموجودة والقادمة يتحدّد الموقف ويبدأ الصراع بين إيهام الحقيقة وزرع الباطل حتى تتوسّع الفجوة يوماً.

حينها يزورك ذلك الغريب ل يقول: أنا معك إنْ كنت معارضاً، وإن كنت مؤيّداً لك زائراً آخر، هكذا يضيع الوطن مع تلك الأشرار ويبدأ اللثام بالكشف عن نفسه لينقضّ وتبدأ المعركة مع لونٍ اسمه أحمر ونفقد ما نفقد من عزيز أو قريب أو وطن بأكمله في سبيل التطرف والكسب المادي في آنٍ معاً للبشر والمورد وللحياة أمد تفوقه أعمارنا ولكننا مسؤولون في يومٍ لا رجعة فيه.

إنّ السلام الحقيقي هو إفشاء العدل بين المجتمع المتنوع بطوائفه ليحلّ السلام والنيل من الحاقدين ووضع جميع البراويز في حائطٍ واحد، يراه الجميع، وكأننا لوحة لم يتم رسمها لا قبل ولا بعد في المسيرة لحضارة جديدة، نكون قد بذلنا جهدنا على التوافق بين الإيمان والعمل.

يقول الإمام أمير المؤمنين : ”إنَّ سعة الصدر وسيلة للقيادة“، ويقول: ”آلة الرئاسة سعة الصدر“.

ويقول مارتن لوثر كينج: لا أحد يستطيع ركوب ظهرك إلا إذا انحنيت.

النورس

منذُ لحظات سمعتك تتألم، ومنذ لحظات سمعتك تضحك، ومنذ لحظات سمعتك بين الجنون والعظمة، ومنذ لحظات لم أسمع شيئاً. تقدّمت قليلا فنظرت إلى ناحيتك جيداً، لم أرَ طيفك.

للوهلة الأولى ظننتك طائر النورس، الزائر في شتائه يجبرك أن تراه من بعيدٍ أقصى، ترفع يديك، تحييه بقدومه، فينظر إليك، يبادرك التحايا ثم يهوي طائراً حراً لعلّه يأنس بشخص آخر، ربما قربه أبعد وأقرب من تلك القيود والسجون التي خلقت منذ النشأة.

وللحياة أنماط عديدة تفوق الخيال، من يُنفق، أيّ يموت، ومنه يبقى حتى دهراً آخر، وما أن تعود إلى ذلك النورس تتردّد في سباقه، في حريته الأبدية حين يعتري ذلك الخوف وكأنّ شيئاً ما أخفق أن يعمل في نواحي وبطون النفوس حين أيقنت وتيقنت أنه الخوف من تلك الحرية التي لم نذقها بعد... ومع ذلك الألم والآهات تيقّنت أنها حرية شخص كان يئنّ من حياته وفكره المجنون المكبل المسجون بجميع القيود.

ولنا في الحياة شيءٌ يذكر حين ننام ونصحو على قعر البئر ندلو الدلو، لكن الماء مفقود، عطاشى.. حيارى، هل نشرب من ماء معين، أم المعين قد شُرب، كأنّ الطاقة فقدت يوم تلقّينا تلك الضربات على رؤوسنا أن تستسلم حين يقول: زادك في فمك وقبرك موجود.. دع الأمور تسير وقل الحمد أو لا تكون.

ما بالكم: هل نقول أنتم ساقطون؟ أم الحجر تعثّر بناؤه وسقط على الرؤوس، عجبي! اختلط الماء بالطين، والطوب خان صموده بفعل الفاسدين: أيّها اللطيف الخبير، اجعلنا في أمنك وامنحنا الشجاعة في الطريق، نعاود الكرّة ثم الكرّة من جديد، الوقت سريع في قرار مكين أن نختار بين الحياة أو اللحد الأمين، هذا أولاً.

وأمّا ثانياً: أن تظلّ الخرفان تسلك الطريق على صوت البعير في اتّجاه اليمين حين قال لك الخبير لن تنال الشفاعة ما دمت اللعين ابن اللعين، عذراً إليكم، أيّها السادة، لحديثي الممزوج برائحة العنف، هنا بعض النقاط تعيقني كي أقول الحسن الجميل، حينها التفتُ، لم أجد الطائر النورس الحزين ربما، أطلقت صوتي في اتجاهات الحنين كي يسقط على يدي ويستكين - عذراً بكيت ولم يعد الجنين.

أمرٌ لا بُدّ منه!

قال الشاعر:

دع الأيام تفعل ما تشاء وطبْ نفساً بما حكم القضاء

الحياة وما تحتوي ليست ملكاً لك وحدك على هذا الكون، إنّها معادلات صعبة لا تدرك حتى آخر يوم نفضَت فيه الغبار وذهبت إلى واقع آخر، لكن عليك أن تجتهد كما يفعل المجتهدون في وضع نمط معيّن للقوانين التي يحتاجها البشر في حياتهم اليومية مستخدماً الإدراك الحسي الجزئي وليس الواقع الذي تتمنى أن يكون.

وربما هناك أيضاً غفلة عندما تستخدم العاطفة على حساب العقل الذي يناديك في وقفة أن يأخذك إلى الطريق الآخر، مما يجعلك تسقط في مضائق تُجبرك أن ترتد إلى الخلف مستخدماً أدوات الحفر للتوسعة والمرور مع من تحب، ومع تلك الآفاق يستمر الوقت إلى صفحات أخرى برغم الألم التي يتذوقه الإنسان كلّ يوم معتقداً أنّ الحياة مغامرة جميلة تستحق أن تُبصَم يومًا ما، تقرأ إلى الآخرين ما فعله الماضون.

الفطرة التي فُطرت عليها هي السبب الرئيس في اختيار الطريق الذي خَلقته أحاسيسك المعملية الداخلية حين ترى الأشياء بما تعتقد على أساس المبادئ البولوتارية مستخدمًا الخيال اللاعقلاني أو اللاواعي بعيدًا عن الموازين تاركًا العواطف تسبح مع تلك البحار تبحث عن مرسى لها، وبشر ينتظرونك أن تكون بينهم في حياة جديدة لهم خاصية تجمعكَ بينهم.

الرحلة تستمر إلى اكتشاف المجهول بين نفسك ومع الآخرين، حتى تضع قدميك بين أرضهم التي وجدت للبشر أجمعين، يوماً بعد يوم يكثر السؤال عن ماهية الحياة، والغاية منها، عليك ألّا تسألني، لماذا السؤال؟

إنّها أيضاً فطرة طبيعية للإنسان يسأل عن المعنى الحقيقي للوجود، عودة إلى الواقع يتحتم علينا التأكد بوعي كامل أنّ الواقع لها عدة أصناف، منها: الأول موسيقى جميلة تأخذك إلى عوالم تغسل روحك وتفعل بقلبك ما تشاء، والأخيرة موسيقى نوستالجيا مؤلمة تأخذك إلى عالم الذكريات والحنين.

تذكر، أيّها العاقل، الوقت قصير في اتخاذ قرار مكين كاد أن يكون، قد تشاء الأقدار ألّا تفكر بأيِّ شيءٍ سوى قدرك المكتوب الذي يسير معك بظلاله حتى اليوم الأخير في حياتك، أما الأقدار التائهة عليك أن تصبر وتتمرد وتقاوم وتبكي أحيانًا، تُحيك فلسفة الطريق وتستنشق الهواء عبر الأنفاق البعيدة المظلمة، مسيطراً عليك الإصرار وقوة الإرادة أحياناً أخرى، وهو أيضاً مسار بدأً مع مايسمى «رواية الرحلة» في النهاية يعد هذا المنظور الذي يمكن أن نعاين من خلاله العالم، بعدها نكرر المحاولة تلو الأخرى للنجاة مستخدمين القوة الإيمانية من إِلَٰهٍ إرادته القادرة على كلّ شيء، هو مُعين ولا مُعينَ سواه.

هكذا تسير الحياة رغمًا عمّا تتمناه وترضاه! أعتقد إنّها قوانين لا إرادية عليك أن تقبلها وتقول: اللهم إنّي لا أسألك ردّ القضاء ولكن أسألك اللطف فيه.

الوهم

عتبر الخوف حالة طبيعية فسيولوجية تشعر به جميع الكائنات، فهو أحد سمات الإنسان في الحياة العصرية. إنّها حالة حصار داخلي، يتحكم في مفاصل التفكير وضعف القرار، يعرف باللغة الإنجليزية بمصطلحFear، ويعتبر أيضاً في الفهم الاجتماعي للبعض جُبن.

رياحٌ داخلية تتسبب في تسريع نبضات القلب، مما يسبب أيضاً في ارتفاع نسبة الأدرينالين والكورتيزون التي يفرزها الجسم، مثل التبول، الإسهال، الإمساك. إنّها أعراض كثيرة لا نستطيع ذكرها الآن.

السؤال الذي يطرح نفسه: مِمَّ نخاف؟، الظلم، الظلام، النور، السيارات، الجنّ، البحر، الارتفاعات، أو ذكريات محددة مسببة للخوف في الدماغ، إنّها أنواع مزعجة من الفوبيا أو الرهاب على أنه لا يختلف عن الاسم الحقيقي للإعاقة.

يعرف الخوف اصطلاحاً على أنه الخوف من تهديد معيّن أو خطر متصور في ذهن الخائف، مما يسبب تغيرات غير منتظمة تؤثر في وظائف الفرد العضوية، ونجد أنّ هذا الأمر يؤثر على تصرفات وسلوكيات الفرد بشكل كبير جداً. وقد نلاحظ هذا الأمر بسهولة على أيّ شخص يتصرف تصرفات غريبة، مثالاً الهروب أو الاختباء، أو نلاحظه يتجمد عند التعرض لمواقف مخيفة.

والخوف غريزة من غرائز الإنسان الكامنة التي نلاحظها منذ الولادة أثناء النمو الطبيعي .الخوف أيضاً انزعاج النفس من توقع شيءٍ ضارّ أو خطر متصور في ذهن الخائف على أنه توقُّع مكروه عن أَمارةٍ مظنونة أو معلومة، لا يكاد الأمر يخلو المجتمع منه، كما أنّ له أسبابه أيضاً.إنه ارتداد فعلي لحدث ما، يقلق راحتك وحياتك التي تعيشها، الأسباب بعضها واضح وبعضها حدثت لأشخاص في نطاق العائلة أو المجتمع.

العلاج بكلّ بَساطة زيارة الطبيب النفسي أو الأعصاب حسب درجة المرض المتسبب، الأهم هو أن يكون للإنسان الثقافة الكافية للمواجهة وهو الحلّ الأمثل للعلاج. أتذكر أيام الصغر، مدينتي مليئة بالعيون الارتوازية العميقة، نذهب إليها دائماً للسباحة، وبما أنّ عقدة الخوف أو الفوبيا تملؤني لا أستطيع السباحة، دفعني الصديق عادل في العَين بكلّ قوته وذهب بعيداً عني، مما جعلني أكافح للعيش والخروج بسلام بدون مساعدة، بعدها أنكسر الحاجز وقفزت بعدها مرة أخرى في تلك العَين الارتوازية العميقة للسباحة.

أما الخوف الحقيقي للحياة هو النقص في المال، الجوع، الألم، الشتات،المرض، الموت،إلخ. ولكي تتجنب ما ذكر، عليك أن تقاوم وتكافح كلّ يوم، من الشروق إلى الغروب كي تضمن قوت يومك ومن معك في القارب الذي أنت فيه، برغم الخوف إلا الإنسان طبيعته المقاومة يسيطر على جزء من الخوف، ضماناً له ولأسرته الحياة الكريمة التي يحلم بها.

لكن الخوف يتابعك أو تتابعه أينما كنت في الظلام والنور،وهناك خوف(مكرها أخاك لا بطل)، دكتاتورية المسؤول داخل العمل تجاه الموظفين، ترغمك على الطاعة وإن كان خطأً، هذا لا تقبله بعض نماذج البشر في الخضوع في الجدال أو المغادرة، لكن الحياة لا تعطيك نضالها أحياناً، بسبب مبادئ الإنسان وقيمه السامية التي لا تتجزأ، ينتج عنها عداء له ثمنٌ باهظ أحيانًا.

الرأي أن تواجه هذا الخوف إذا كان لا يؤثر على سلامتك الشخصية، حاول أن تصنع لك رؤية قبل الوصول وهي السيطرة على الانفعالات الداخلية بأقصى وسيلة ممكنة، ومن التجارب التخيل، نعم التخيل في أن تضع لك صورة نمطية داخل العقل للتخلص من تلك المخاوف، كلٌّ حسب الحالة التي تواجهها، إذا كان خلاف شخصي، تستطيع أن تتخيل وجودك داخل غرفة متسخة جداً، إرادتك تدفعك في تنظيف تلك الأوساخ من خلاله تستطيع وضع حلٍّ لتلك المشكلة.

أيضاً تستطيع أن تغمس منشفة في الماء بعد عصرها عدة مرات محاولاً التنحي عن تلك المشاكل مع الحلّ النهائي مع نفسك أو الآخرين الذين لهم علاقة مباشرة معك، هذه مؤثرات سيكولوجية عقلية يمكن اختراعها لنفسك حتى تزول لتستمر الحياة والتقليل من الخوف الذي يراودك.

الموسيقى لها تأثير واسع في السيطرة على الخوف، مشاهدة المناظر الطبيعية مع الموسيقى الجميلة في بقاع متفرقة من العالم، زيارة المواقع الطبيعية حول العالم، لها تأثير مباشر على إزالة الخوف والخلافات، النهاية تقول متى ما وجدنا حرية التعبير يقلّ الخوف والألم، الأهم أن ننصت لأقرب الناس والآخرين.

لا داعي للخوف – أغلبه وهمٌ مصطنع بأسلاك شائكة – عليك أن تحرّر نفسك منه.

دُمتم بصحة وعافية.