الثلاثاء، 21 يوليو 2020

الإرادة والتغيير

أحلامنا في هذه الحياة لا تتعدى أن يكون الإنسان فيها صالحاً محباً للخير عطوفاً بوالديه وبالآخرين، ولكن هناك - في الوقت نفسه - من يريد إعمار الأرض، وهناك من يريد خرابها. التحوّلات التي نعيشها ونلمسها ليست بقدرنا كما هي بقدر من خلق هذا الكون، قتل الإنسان لأخيه الإنسان باسم الخروج عن الطاعة ليس له دليل شرعي، وإزهاق الأرواح بمثل هذه المبررات هو دليل الفشل في الإدارة والتعامل، وإراقة الأرواح أيضاً أصبحت كالكبش داخل الحظيرة ينتظر الدور للوليمة القادمة.

يا عباد الرّحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم الله، هذه الثروات سوف تبقى كما أبقاها فرعون من غير إرادته، وهناك من يأتي وسيأخذ ما تُرك، الطمع لن يجني شيئًا سوى هلاك الآخرين، القوة التي تسلبكم إرادتكم زائلة أيضاً، وأنتم تعلمون هذا جيّداً، الشعب المغلوب على أمره يرى ويسمع، ولكن سيأتي اليوم الذي يدافع فيه عن إرادته، لا بُدّ أن يدافع عن نفسه وباسم الدين أيضاً، ولكن النهاية الحتمية تكون لإرادة الشعب وقانون الله، الوقت قصير والحياة دؤوبة تجري كالرياح الموسمية، إما أن تسقيك وأما تهجرك.

يغفل البعض عن دراسة التاريخ جيّداً وأخذ العظة والعبرة من أحداثه، بل لا يدرك طبيعة البشر ولا تطورها الجسمي والفكري، ومقارنة الأمس القريب باليوم القريب، وكل همّه ينحصر في ابتكار الوسائل التي يُكمّم بها فَمَ هذا المواطن لكيلا يطالب بحريته الشخصية والعامّة، وتحطيم شخصيته يومًا بعد يوم، أمام مجتمعه والعالم، ليكون مطيعاً ودوداً للرّاعي كيفما شاء.

ومع ذلك، ارتفعت أصوات الأفواه، وسال مداد الأقلام مع مرور الليالي والأيام، مطالبة بالتغيير، تريد أن تحيا حياة كريمة نشعر فيها بالأمن والأمان، يداً بيد نبني هذا الوطن، ونقف في وجه من يسلبنا أرضنا أو إرادتنا، راسمين حلقة دائرية، لا شرقية ولا غربية، فقط إرادة مجتمع تكون حرباً لمن حاربنا وسلمًا لمن سالمنا.

إن نبضات قلب أيّ مواطن على هذه الأرض الطيبة هي سبب حياتها واستمرارها، فمتى نقف وقفةً جادّةً لردم الفوّهات، والسير معاً في خطٍّ مستقيم، على هدي ما جاء به رسولنا الكريم محمد ﷺ، من تعاليم تدعو إلى المحبة والخير والسلام؟!.

الوقت من ذَهب

يتهيأ الإنسان عند مطلع حياته وبعد فترة من نضجه إلى حُلمه والأستقرار مع شخص قد رسم جزءاً منه حين يضيف شيئاً من الألوان، منها قزحية ومنها ورود منمقة تضرب خياله ليبدأ بوضع الحجر الأساسي في عقله الحقيقي والباطني لطبيعة روحية ذاتية تتعلق بكيانه وعواطفه ورومانسيته الحقيقة التي كثيراً ما عانق نفسه لتلك الرؤية.

وتتوالى الصور وتستمر الأيام حين يبدأ الخيار في عالم ليس لك عليه بمسيطر، وإن دققت النظر واتخذت القرار إلا أنه يظل مرتبطاً أحياناً بقدرك المحتوم، لكن القاعدة المثالية تظل تنمو في عقلك الباطن يوماً بعد يوم أثناء التجربة من عمرك والآخر الذي ملأ وقتك، وربما قلبك إن قدر الله ذلك.

ونبدأ في قليل من الفرح والألم معاً نجاهد لتلك التلبية الربانية الاجتماعية المرتبطة بالتكاثر والحفاط على هذا الكون الفسيح الذي خُلقنا أن نعيش فيه حتى نؤسس مبادئنا المُعتقدة المعبرة عن فضيلتنا المفترضة إما بالحقيقة الفعلية أو الزَيف المفترض أيضاً والجميع يصرخ بداخله أو خارجه بثبات موقفه الافتراضي أصلاً؛

لأن الحقيقة ليست ثابتة تتبدل بثائيتها مع العالم المتغير، وهنا ندقق على أن التغيير يتحقق في كل ثانية من حياتنا بفعل نواميس الحياة المشتركة بين البشر والأرض والنجوم والكون أجمع.

من هنا تستطيع أن تشكل أفقك في كل ثانية على أساس النجاح والفشل والجديد، أن تكون جديداً كما أستطعت بفعل إرادتك الصلبة وليس مبادئك البالية التي لم تتطور وأنت في غفلة بلهاء مِنك ربما نتعبرها أنانية الإنسان التي يعي إليها إلا والضحايا تسبح حوله ينظر إليهم كأنهم حيتان نافقة ماتت على ساحل البحر تتنظر من ينقذ من!!

ومع كل ذرة أسف يتطور الكون والعلاقات البشرية لفعل آخر في حين يستمر خلافنا وصراخنا مع أنفسنا المستمر المبني على الجهل المركب المرصود في زاوية حادة لا يمكن تصحيحها حتى علماء الرياضيات، ومع تقدم الزمن ويوماً بعد يوم يرزقك الله بشموع واحداً بعد الآخر معبرأ لهم عن حبك واتصالك معهم تُجهد وقتك جُله في لقمة عيش هنية تتزامن مع عطاء روحك لهم جميعاً بإحساسك الداخلي ينمو يوماً بعد يوم في استشراق المستقبل، مع افتراضك أن يصبحوا علماء للبشرية مع ما تزرعه من خُلقٍ حَسن.

هكذا في الأحوال الطبيعية لكن البشر تنزلق إما في بركان أو في بئر ممكن إنقاذك منه إذا وطأ ذلك الفارس ليمد يديه إليك وينقذك.

أما أخطاؤنا فهي متراكمة أحياناً أو مباشرة يراها الجميع، منها من تسبب في قيادتك إلى تلك الأفعال بفعل ضعف الإنسان أحياناً عندما ينزلق، لكن المؤكد لكل فعل وله سبب، وهنا ننظر الى ميزان الحياة بين الأطراف الثائرة دائماً لثورة ليس لها طعم، مخلفةً الدمار للجميع وقيادتهم الى عالم الحي الميت أو العكس.

وأما الثورة التنموية وهي العشق المؤطر الذي ينساب مع الحياة في الظل والظلال يداً بيد تنمو الشموع وتتوقد شعلتها إلى اليوم المحتوم بهذا حققت السعادة وأثرت النقاء وعززت التسامح وركبت السفينة إلى ميناء الوصول

لكن الأكبر والأكبر، كيف تتسامح مع نفسك دائماً وتلغي الأنانية المفرطة المبنية على إلغاء الآخرين؟

هنا السؤال يأتي! كم سوف نعيش؟

العقل سيد الموقف

أظنّ، والله أعلم، أننا على عتبة النزوح الفكري المتغيّر والمتحوّل للمزيد من التجارب التي تستدعي التفاعلات والارتدادات التي لا نعلم من نتائجها إلا القليل؛ لأنّها تخضع حالياً في معمل التجارب.

حينها تتقدّم الشعوب وتعرف داءها ودواءها لعصر قد يكون ملهماً للبعض ويسقط للآخر، والعقل سيّد الموقف إذْ بإمكانه أن يُراهن على الحركة والبركة معاً تحت الضمير الواعي الذي طالما رُسمت أهدافه لطريق آخر له جودته في البقاء أثرٌ طويل، وغالباً ما يكون تحت طائلة استقصاء المجتمع الذي من خلاله أن نُحسن الأسلوب والطريقة للإصلاح بفعل الإرادة والعقد الاجتماعي الذي يفرض القرار على صاحب القرار، ومن هنا يبدأ الإصلاح الحقيقي والنوعي في شتى المجالات لمستقبل محله الإعراب الصحيح المبني على اللانصب أو المنصوب، هذا إن كان للضمير طريق.

أما بعد، فهناك العائقون والمفسدون ينظرون ويقرؤون شياطينهم كي تلعب وتختار المهاجم والمدافع في آنٍ واحد واضعةً تلك الابتسامة العريضة في الانتظار والتنفيذ ما اتُّفق عليه من التطوير والتغيير، ومن هنا يبدأ الوعي الذي يراه الآخرون وهو المجتمع في هَمسات بعضهم في التصدّي والتنفيذ، ومن هنا أيضاً يبدأ المقرّرون استخدام الثرومستات الحقيقي للقياس إما للمواربة أو فتح الباب في اتجاه 20 أو أقلّ من أصل 360 درجة، حينها يبدأ الطارق والطارقون الدّق على الباب والأبواب معاً لانفراج الزاوية بأكملها إن فُرجت.

أما بعد، فتبدأ الانطباعات في التدوين مع تلك الأقلام المؤيّدة والمُعارضة للسبيل المحتوم، أن نتفق أو لا نتفق لأمدٍ قد يكون فصله طويلاً أو قصيراً حسب وعي الطلب والعدد والنوع، ومع آلة الحداثة والإعلام في جميع الوسائل الموجودة والقادمة يتحدّد الموقف ويبدأ الصراع بين إيهام الحقيقة وزرع الباطل حتى تتوسّع الفجوة يوماً.

حينها يزورك ذلك الغريب ل يقول: أنا معك إنْ كنت معارضاً، وإن كنت مؤيّداً لك زائراً آخر، هكذا يضيع الوطن مع تلك الأشرار ويبدأ اللثام بالكشف عن نفسه لينقضّ وتبدأ المعركة مع لونٍ اسمه أحمر ونفقد ما نفقد من عزيز أو قريب أو وطن بأكمله في سبيل التطرف والكسب المادي في آنٍ معاً للبشر والمورد وللحياة أمد تفوقه أعمارنا ولكننا مسؤولون في يومٍ لا رجعة فيه.

إنّ السلام الحقيقي هو إفشاء العدل بين المجتمع المتنوع بطوائفه ليحلّ السلام والنيل من الحاقدين ووضع جميع البراويز في حائطٍ واحد، يراه الجميع، وكأننا لوحة لم يتم رسمها لا قبل ولا بعد في المسيرة لحضارة جديدة، نكون قد بذلنا جهدنا على التوافق بين الإيمان والعمل.

يقول الإمام أمير المؤمنين : ”إنَّ سعة الصدر وسيلة للقيادة“، ويقول: ”آلة الرئاسة سعة الصدر“.

ويقول مارتن لوثر كينج: لا أحد يستطيع ركوب ظهرك إلا إذا انحنيت.

النورس

منذُ لحظات سمعتك تتألم، ومنذ لحظات سمعتك تضحك، ومنذ لحظات سمعتك بين الجنون والعظمة، ومنذ لحظات لم أسمع شيئاً. تقدّمت قليلا فنظرت إلى ناحيتك جيداً، لم أرَ طيفك.

للوهلة الأولى ظننتك طائر النورس، الزائر في شتائه يجبرك أن تراه من بعيدٍ أقصى، ترفع يديك، تحييه بقدومه، فينظر إليك، يبادرك التحايا ثم يهوي طائراً حراً لعلّه يأنس بشخص آخر، ربما قربه أبعد وأقرب من تلك القيود والسجون التي خلقت منذ النشأة.

وللحياة أنماط عديدة تفوق الخيال، من يُنفق، أيّ يموت، ومنه يبقى حتى دهراً آخر، وما أن تعود إلى ذلك النورس تتردّد في سباقه، في حريته الأبدية حين يعتري ذلك الخوف وكأنّ شيئاً ما أخفق أن يعمل في نواحي وبطون النفوس حين أيقنت وتيقنت أنه الخوف من تلك الحرية التي لم نذقها بعد... ومع ذلك الألم والآهات تيقّنت أنها حرية شخص كان يئنّ من حياته وفكره المجنون المكبل المسجون بجميع القيود.

ولنا في الحياة شيءٌ يذكر حين ننام ونصحو على قعر البئر ندلو الدلو، لكن الماء مفقود، عطاشى.. حيارى، هل نشرب من ماء معين، أم المعين قد شُرب، كأنّ الطاقة فقدت يوم تلقّينا تلك الضربات على رؤوسنا أن تستسلم حين يقول: زادك في فمك وقبرك موجود.. دع الأمور تسير وقل الحمد أو لا تكون.

ما بالكم: هل نقول أنتم ساقطون؟ أم الحجر تعثّر بناؤه وسقط على الرؤوس، عجبي! اختلط الماء بالطين، والطوب خان صموده بفعل الفاسدين: أيّها اللطيف الخبير، اجعلنا في أمنك وامنحنا الشجاعة في الطريق، نعاود الكرّة ثم الكرّة من جديد، الوقت سريع في قرار مكين أن نختار بين الحياة أو اللحد الأمين، هذا أولاً.

وأمّا ثانياً: أن تظلّ الخرفان تسلك الطريق على صوت البعير في اتّجاه اليمين حين قال لك الخبير لن تنال الشفاعة ما دمت اللعين ابن اللعين، عذراً إليكم، أيّها السادة، لحديثي الممزوج برائحة العنف، هنا بعض النقاط تعيقني كي أقول الحسن الجميل، حينها التفتُ، لم أجد الطائر النورس الحزين ربما، أطلقت صوتي في اتجاهات الحنين كي يسقط على يدي ويستكين - عذراً بكيت ولم يعد الجنين.

أمرٌ لا بُدّ منه!

قال الشاعر:

دع الأيام تفعل ما تشاء وطبْ نفساً بما حكم القضاء

الحياة وما تحتوي ليست ملكاً لك وحدك على هذا الكون، إنّها معادلات صعبة لا تدرك حتى آخر يوم نفضَت فيه الغبار وذهبت إلى واقع آخر، لكن عليك أن تجتهد كما يفعل المجتهدون في وضع نمط معيّن للقوانين التي يحتاجها البشر في حياتهم اليومية مستخدماً الإدراك الحسي الجزئي وليس الواقع الذي تتمنى أن يكون.

وربما هناك أيضاً غفلة عندما تستخدم العاطفة على حساب العقل الذي يناديك في وقفة أن يأخذك إلى الطريق الآخر، مما يجعلك تسقط في مضائق تُجبرك أن ترتد إلى الخلف مستخدماً أدوات الحفر للتوسعة والمرور مع من تحب، ومع تلك الآفاق يستمر الوقت إلى صفحات أخرى برغم الألم التي يتذوقه الإنسان كلّ يوم معتقداً أنّ الحياة مغامرة جميلة تستحق أن تُبصَم يومًا ما، تقرأ إلى الآخرين ما فعله الماضون.

الفطرة التي فُطرت عليها هي السبب الرئيس في اختيار الطريق الذي خَلقته أحاسيسك المعملية الداخلية حين ترى الأشياء بما تعتقد على أساس المبادئ البولوتارية مستخدمًا الخيال اللاعقلاني أو اللاواعي بعيدًا عن الموازين تاركًا العواطف تسبح مع تلك البحار تبحث عن مرسى لها، وبشر ينتظرونك أن تكون بينهم في حياة جديدة لهم خاصية تجمعكَ بينهم.

الرحلة تستمر إلى اكتشاف المجهول بين نفسك ومع الآخرين، حتى تضع قدميك بين أرضهم التي وجدت للبشر أجمعين، يوماً بعد يوم يكثر السؤال عن ماهية الحياة، والغاية منها، عليك ألّا تسألني، لماذا السؤال؟

إنّها أيضاً فطرة طبيعية للإنسان يسأل عن المعنى الحقيقي للوجود، عودة إلى الواقع يتحتم علينا التأكد بوعي كامل أنّ الواقع لها عدة أصناف، منها: الأول موسيقى جميلة تأخذك إلى عوالم تغسل روحك وتفعل بقلبك ما تشاء، والأخيرة موسيقى نوستالجيا مؤلمة تأخذك إلى عالم الذكريات والحنين.

تذكر، أيّها العاقل، الوقت قصير في اتخاذ قرار مكين كاد أن يكون، قد تشاء الأقدار ألّا تفكر بأيِّ شيءٍ سوى قدرك المكتوب الذي يسير معك بظلاله حتى اليوم الأخير في حياتك، أما الأقدار التائهة عليك أن تصبر وتتمرد وتقاوم وتبكي أحيانًا، تُحيك فلسفة الطريق وتستنشق الهواء عبر الأنفاق البعيدة المظلمة، مسيطراً عليك الإصرار وقوة الإرادة أحياناً أخرى، وهو أيضاً مسار بدأً مع مايسمى «رواية الرحلة» في النهاية يعد هذا المنظور الذي يمكن أن نعاين من خلاله العالم، بعدها نكرر المحاولة تلو الأخرى للنجاة مستخدمين القوة الإيمانية من إِلَٰهٍ إرادته القادرة على كلّ شيء، هو مُعين ولا مُعينَ سواه.

هكذا تسير الحياة رغمًا عمّا تتمناه وترضاه! أعتقد إنّها قوانين لا إرادية عليك أن تقبلها وتقول: اللهم إنّي لا أسألك ردّ القضاء ولكن أسألك اللطف فيه.

الوهم

عتبر الخوف حالة طبيعية فسيولوجية تشعر به جميع الكائنات، فهو أحد سمات الإنسان في الحياة العصرية. إنّها حالة حصار داخلي، يتحكم في مفاصل التفكير وضعف القرار، يعرف باللغة الإنجليزية بمصطلحFear، ويعتبر أيضاً في الفهم الاجتماعي للبعض جُبن.

رياحٌ داخلية تتسبب في تسريع نبضات القلب، مما يسبب أيضاً في ارتفاع نسبة الأدرينالين والكورتيزون التي يفرزها الجسم، مثل التبول، الإسهال، الإمساك. إنّها أعراض كثيرة لا نستطيع ذكرها الآن.

السؤال الذي يطرح نفسه: مِمَّ نخاف؟، الظلم، الظلام، النور، السيارات، الجنّ، البحر، الارتفاعات، أو ذكريات محددة مسببة للخوف في الدماغ، إنّها أنواع مزعجة من الفوبيا أو الرهاب على أنه لا يختلف عن الاسم الحقيقي للإعاقة.

يعرف الخوف اصطلاحاً على أنه الخوف من تهديد معيّن أو خطر متصور في ذهن الخائف، مما يسبب تغيرات غير منتظمة تؤثر في وظائف الفرد العضوية، ونجد أنّ هذا الأمر يؤثر على تصرفات وسلوكيات الفرد بشكل كبير جداً. وقد نلاحظ هذا الأمر بسهولة على أيّ شخص يتصرف تصرفات غريبة، مثالاً الهروب أو الاختباء، أو نلاحظه يتجمد عند التعرض لمواقف مخيفة.

والخوف غريزة من غرائز الإنسان الكامنة التي نلاحظها منذ الولادة أثناء النمو الطبيعي .الخوف أيضاً انزعاج النفس من توقع شيءٍ ضارّ أو خطر متصور في ذهن الخائف على أنه توقُّع مكروه عن أَمارةٍ مظنونة أو معلومة، لا يكاد الأمر يخلو المجتمع منه، كما أنّ له أسبابه أيضاً.إنه ارتداد فعلي لحدث ما، يقلق راحتك وحياتك التي تعيشها، الأسباب بعضها واضح وبعضها حدثت لأشخاص في نطاق العائلة أو المجتمع.

العلاج بكلّ بَساطة زيارة الطبيب النفسي أو الأعصاب حسب درجة المرض المتسبب، الأهم هو أن يكون للإنسان الثقافة الكافية للمواجهة وهو الحلّ الأمثل للعلاج. أتذكر أيام الصغر، مدينتي مليئة بالعيون الارتوازية العميقة، نذهب إليها دائماً للسباحة، وبما أنّ عقدة الخوف أو الفوبيا تملؤني لا أستطيع السباحة، دفعني الصديق عادل في العَين بكلّ قوته وذهب بعيداً عني، مما جعلني أكافح للعيش والخروج بسلام بدون مساعدة، بعدها أنكسر الحاجز وقفزت بعدها مرة أخرى في تلك العَين الارتوازية العميقة للسباحة.

أما الخوف الحقيقي للحياة هو النقص في المال، الجوع، الألم، الشتات،المرض، الموت،إلخ. ولكي تتجنب ما ذكر، عليك أن تقاوم وتكافح كلّ يوم، من الشروق إلى الغروب كي تضمن قوت يومك ومن معك في القارب الذي أنت فيه، برغم الخوف إلا الإنسان طبيعته المقاومة يسيطر على جزء من الخوف، ضماناً له ولأسرته الحياة الكريمة التي يحلم بها.

لكن الخوف يتابعك أو تتابعه أينما كنت في الظلام والنور،وهناك خوف(مكرها أخاك لا بطل)، دكتاتورية المسؤول داخل العمل تجاه الموظفين، ترغمك على الطاعة وإن كان خطأً، هذا لا تقبله بعض نماذج البشر في الخضوع في الجدال أو المغادرة، لكن الحياة لا تعطيك نضالها أحياناً، بسبب مبادئ الإنسان وقيمه السامية التي لا تتجزأ، ينتج عنها عداء له ثمنٌ باهظ أحيانًا.

الرأي أن تواجه هذا الخوف إذا كان لا يؤثر على سلامتك الشخصية، حاول أن تصنع لك رؤية قبل الوصول وهي السيطرة على الانفعالات الداخلية بأقصى وسيلة ممكنة، ومن التجارب التخيل، نعم التخيل في أن تضع لك صورة نمطية داخل العقل للتخلص من تلك المخاوف، كلٌّ حسب الحالة التي تواجهها، إذا كان خلاف شخصي، تستطيع أن تتخيل وجودك داخل غرفة متسخة جداً، إرادتك تدفعك في تنظيف تلك الأوساخ من خلاله تستطيع وضع حلٍّ لتلك المشكلة.

أيضاً تستطيع أن تغمس منشفة في الماء بعد عصرها عدة مرات محاولاً التنحي عن تلك المشاكل مع الحلّ النهائي مع نفسك أو الآخرين الذين لهم علاقة مباشرة معك، هذه مؤثرات سيكولوجية عقلية يمكن اختراعها لنفسك حتى تزول لتستمر الحياة والتقليل من الخوف الذي يراودك.

الموسيقى لها تأثير واسع في السيطرة على الخوف، مشاهدة المناظر الطبيعية مع الموسيقى الجميلة في بقاع متفرقة من العالم، زيارة المواقع الطبيعية حول العالم، لها تأثير مباشر على إزالة الخوف والخلافات، النهاية تقول متى ما وجدنا حرية التعبير يقلّ الخوف والألم، الأهم أن ننصت لأقرب الناس والآخرين.

لا داعي للخوف – أغلبه وهمٌ مصطنع بأسلاك شائكة – عليك أن تحرّر نفسك منه.

دُمتم بصحة وعافية.

حيلة ليليتا وحيرتني

وصل إلى أحد فنادق إسبانيا بعد رحلة استمرّت ثماني ساعات، فتردّد في الذهاب إلى وسط المدينة، فقد كان خائفًا أن يراها وجهًا لوجه، فقد تعرّف إليها عبر الموقع الاجتماعي (الفيس بوك) العام الفائت، صورها كانت تملأ بيته ومكتبه، محادثتهما تستمرّ ساعات طويلة من خلال المسنجر والكام والهاتف ..

للمرّة الأولى انبهر بها عندما رآها، ومع مرور الأيام أصبحت جزءًا من حياته، كان يُغدقُ عليها حبًّا وعطفًا وأملاً أن يلتقيا يومًا ما، ليضمّها إلى صدره، ويعانقها عناقًا يمتدّ إلى أمد طويل.

حدّثتْهُ عن كلّ ما يتعلّق بماضيها وحاضرها، غنجها المتواصل زاده شوقًا إلى لقائها، تردّده كان خوفًا من أن تكون عصابة ما تسوقه إلى الهاوية، استجمع شجاعته فهرول إلى المقهى لمقابلتها، أخذ مكانه، انتظر طويلاً وعيناه تلتفتان يمينًا وشمالاً، متلهّفًا لرؤيتها، تفحّص جميع رُوّاد المقهى ونظراته تخترق الشارع، يتأمّل كلّ البشر، أنفاسه بدأت تضيق شيئًا فشيئًا؛ لتأخّرها عن الموعد، وفجأة، سمع صوتها من خلفه تناديه: مرحبًا، حبيبي، أنا ليليتا، وخز في عينيه، تجمدتا، شفتاه لم تتفوّها بكلمة واحدة، صعدت أنفاسه، رأى الدنيا تدور وتدور من حوله، غاب النور وحلّ الظلام في أقل من دقيقة، بدأ يتذكّر الصور ومقابلات الكام طوال فترة الشهور الماضية، مفاجأته لم تكن متوقعة، إنها مقعدة على كرسيّ كهربائي، لملم نفسه واستدار سريعًا بدون تحية إلى وجهته من حيث أتى.

وفي طريق المغادرة، كانت جميع صور الأيام التي قضياها تتجوّل في رأسه، ومن شدّة الحنق الذي حلّ به، تعثّرت قدمه بجميع الكراسي التي أمامه، الرؤية كانت واضحة للجميع، بدأ الصراخ يسمعه كل من رآه وهو يغادر،

هذا أنا ثانية أحاول أن أستردّ رباطة جأشي، وقفتُ لوهلة أنظر إلى الكافيه عن بعد، أسندتُ رأسي بأحد الجدران لكن الصدمة تمكنت منّي وشعرتُ بيديّ تهويان، وأنا أهبط معهما كنت أصرخ ليليتا.. لماذا يا حبيبتي؟.

لم أشعر بعدها بشيء.. استيقظت فجأة من سباتي في المستشفى، صداع، وألم في جميع أنحاء جسمي، رأيت الأنابيب المنتشرة في جسمي لتعيدني إلى الحياة، إحدى الممرضات الجميلات كانت بجانبي تقيس ضغطي وومعظم تفاصيل جسدي، لم أستطع أن أتفوّه، لساني ما زال معترضاً، عيناي ما زالتا مسندتين متعبتين، استسلمت للنوم ودخلت في حلم القدر، كانت هادئة بسمتها أشرقت العافية ، وهواؤها كان دربي وأيامي الباقية، عبيرها كان سراطي إلى الجنة وصوتها كان جميع الفصول، وكل فصل له ألحانه الأبهى، أمسكتْ براحة يدي ويدها الأخرى تحوم حول وجهي، استيقظت فجأة بعد خمسة أيام، تهيأت للمغادرة جلست على الكرسي إلى خارج المستشفى، عند باب المستشفى نهضت من الكرسي استدرت لكي أشكرها، المفاجأة كانت أكبر إنها ليليتا التي أحببتها بدون الكرسي الكهربائي.

مهرتي لها عاصفةٌ ندية

بعد أن رأيتها ذلك اليوم تذكرت الفرسُ الأبيض

صوتها جهورٌ ابتسامةٌ وقهقهةٌ مأخذها الفؤاد

حوارها فارسٌ يدقُ برجله بطن الفرس

تمشي وترقص

لها عاصفة ندية

تشق الفؤاد من أبطه

تتزين بتلك الحركات عندما ترى سِنها المكسور في مقدمته زادها حبورً وجمالٌ

لكن تذكر أنها مهَرةٌ شهباء

رأسها يرقص وذيلها يلتفت ذات اليمين والشمال

رأيتها للمرة

لكنها بقيت في الذرة

أطوف حولها لعلي أرى أن كان لي مقامٌ في ودِها

بدأت الحكاية ونسينا البداية

بدأ حلمي يكبر في عشقها ينخر

النوم لا عشق له فقط هي الحياة التي رواها عقلي وتخيلاتي ابدأ أم أتوقف

باركت نفسي واتكلت

صوتها خريري من ذلك المسماع نتحدث سوياً بكل شي حديثها شاقَ طوله

انفطرتُ وانشطرتُ وتأكدت أنني الفارسُ لهذه الشهباء

وفي لحظة صهوتها انتظرت وعرفتُ أنني مع مهَرةٌ ترقص وترفس

اتكلت وباركت لنفسي أن اصهل هذه المُهرة

بدأنا وجاءت بقربي ورأسها يحنو على صدري في أنوة الأنثى

عملنا ما عملنا في أديم الليل وأصبعها يدلل فمها

وهذا ما حصل ومع الأيام صار المهرُ فرسٌ والفارس يركن ساقيه جنبٌ تمشي أو ترقص متى ما شاء لكنها ترفض الأمر ومازالت ترفس وتصهل

هكذا بدأت!

تقاوم وفارسها يقاوم

يتودد إليها مرة حتى تهدأ

لكن الأمان مفقود

اعتقدتُ السبيل والطريق أن تكون عنترَ

تُكبح جُماحها تسقط مرة

لكن كيدها الرفسُ والصهلُ

حينها يدب خريرها تنهض تداعبُ خصلاتها..تهدأ..ثم تهدأ ، و يطول الليل ثم تبدأ وكأنها لم تبدأ.          

التكامل

التكامل في الحياة مطلوب في الثوابت التي خلقها الله، الشمس والظلّ والأمطار متكاملون فيما بينهم برغم الدور المناط المختلف لكلّ منهم حسب تنظيم الخالق سبحانه وتعالى. أمّا البشر فهم مختلفون دائماً وأبداً، والزواج هو الارتباط والعقد بين الطرفين. والحقيقة أنّ فكرة الارتباط لها فلسفتها في الحياة مبنية في عقل الإنسان قبل الارتباط، بمعنى القصة جاهزة للتنفيذ متى ما ارتبط الطرفان للبدء في التجربة من تفاعلات يومية في الفكر والعادات المرتبطة معها في طريقة الأكل والشرب والملبس والنوم،وإلخ.

وما يجري على أرض المعركة، وهي فعلاً معركة إما صامتة أو ثورية بينهما أو استسلامية مبنية على القبول المطلق حتى النهاية، ومن هنا يتهيأ لنا الزواج بأنواعه التقليدي والاختياري وكلاهما يخضع للتجربة في نهاية المطاف للاستمرار أو التوقف متى ما نضج أحد الطرفين في وعيه الإدراكي المبني على الرؤية المستقبلية في العيش بسلام.

وما يصاحب التغير هو أنْ تجد فتاة/ رجل قياسهما تقدّمي في الفكر والعزيمة والأمل وغير ذلك من الصفات، وقد لا نجد هذه العوامل في شخص واحد مما يجعلنا نتخبّط في القرار الثاني والثالث. ربما للبعض.. أيّها السّيدات/ السادة، الزواج نعمة الخالق في العيش المشترك المبني على الإيمان بالتغيير في جميع مناحي الحياة المتغيرة في هذا الزمن السّريع، بمعنى يجب أن نضع مساحة في عقولنا وإدراكنا أننا نستطيع أن نتغيّر حسب متطلّبات الحياة، كلٌّ حسب وعيه وكيف نشأ من أول يوم.

ولكنّ التمرّد السّلبي ليست حالة صحية في جميع الأحوال؛ لأنّها مبنية على المصلحة المشتركة فيما بينهما من أطفال واستقرار مادّي لطرف دون طرف بالنظر في الدخل العام لكليهما تصبح الحياة نفاقاً ونفاقاً في التعامل، تتبلّد المشاعر تقريبًا لدى البعض طبعاً،إمّا بالاستمرار أو التمرّد والانفصال، وهناك أيضاً عامل آخر لدى البعض وهو فقدان الصبر في المراحل الأولى لما لها من نتائج نفسية ومعنوية مدمّرة لدى الطرفين... باختصار شديد، عندما تتبدّل الرؤية في إحداهما من المستحيل أن يستمرّ الزواج حتى في المجتمعات التي تدّعي الديموقراطية.

الرحِيل

إقْتَنَعَ بِوِصَالِهَا لَكِنَّهَا لَمْ تَقْتَنِعْ بِخِصَالِهُ الأَرْبَعَةُ الشَّوْقُ وَالحُبُّ وَالأَمَل وَالاِحْتِوَاء بَادَرَ بِالأَوَّلِ وَوَعْدِهَا بالثاني وَوَضَعَ الأَمَلَ فِي مِيزَانِهَا وَالرَّابِعُ كَانَ لَهَا، لَمْ تُصَدِّقْهُ، لَكِنَّهَا وَافَقَتْ لِأَنَّهَا تُحِبُّهُ بِرَغْمِ اِخْتِفَاءِ الأَثَرِ الَّتِي تَقْتَضِيه،

أَنَّهَا مُغَامَرَةٌ كَمَا تَقُول ، وَضَعَت الأَيَّامُ طُرقها وانطَلَقَت وَبَقِيَت الأَربَعَةَ تَتَأَثَّرُ وَاحِدًا بَعدَ الآخَرِ، حَتَّى وصل الاِحْتِوَاء وَهُوَ الرَّابِعُ حِينَ جَاءَت الحَيَاةُ وَوَضَعَتْهَا عَلَى كُرْسِيِّ الَّذِي يَتَحَرك بِيَدَيهَا

هكذا الحَيَاة تَنْطَلِقُ بعناد البَشَر وَحَوَافِرِهِم العَقليَةَ الَّتِي تتَمَيز بِالرَّأْي المُحَدد اِفْتِقَارًا لِلخِبْرَة وَنَتَائِج القَرار، حِينَ تَمْضِي الأَيَّامُ وَيَتَجَدَّدُ الفِكْر وَتَنتَهي الفِكْرَة وتضيئ البَصِيرَة بِجَمِيعِ أوتَارِهَا وَيَنْتَهِي اللقاءُ بِلَا لِقَاءٍ.. وفي الظَّرفِ والظَّرْفِ تبدَأُ الأَنوَارُ بِأَشِعَّتِهَا تَحتوِي الجَمِيعُ لَكِنَّهَا لَا تتحَطَّمُ أَمَامَ الأنسان المُتَجَدِّدُ، أَدرَاكًا مِنه بِأَنَّ الحَقِيقَةَ قَادِمَةً وَالظِّلُّ يَبقى كمَا هو يَفعلُ فِعلَهُ يَكبر أَو يَصغر أَمامَ انعِكَاسِ الضَّوءِ.. وَتِلكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَينَ النَّاسِ حِينَ يَشِيخُ الجَسَدُ وَيَسترخِي العَقلُ وَيَذهَبُ كلٌ إلَى دَارٍ أُخرَى تحتوِي أَيامُ عُمره البَاقِيَة حتى يأن الجَسَدُ وَيَقِفُ ذَلِكَ القَلب المُتعِب... أنه الرَّحِيل



    • فؤاد الجشي
      اقرأ وأكتب لي كتاب واحد أسمه عندما تغني الروح

    زِيارةٌ خاصة

    هي خطوات تتسلق داخل تلك القرية الصغيرة، طرقها الوعرة، شواهد على أضرحتها أو قبورها لها أسماء كثيرة، وألقاب مختلفة بين من مات شابًّا أو كهلاً، كلٌّ كان له قدر، كيف عاش؟ وكيف مات؟

    بين جادة وجادة وصلت إلى قبره، أتممت سلامي بلساني ثم بيدي عندما وضعت راحة يدي على ترابه وقرأت الفاتحة إلى روحه الشريفة، تذكرت آخر يوم في حياته حينما وجدت خطواته على الرمل في حديقة منزلنا في طبعتها الأخيرة على تراب بيته أثناء قولبة رِمالها، تمتمت بالفاتحة ثم بدأت أتحدث معه، أشرح له ماذا فعل الإنسان بالإنسان من خير أو شرّ، استطعت إقناعه بأنّ غيابه كان جبرًا وليس طوعًا، مضيت في الحديث معه على أمل أن يبادلني الحديث أو ربما سئم من حديثي عن الدنيا وأفعالها حينها قررت الاستمرار بين ذلك.

    وضع شخصٌ بغتةً راحة يده على كتفي، وهمس في أذني يقول: هل تستطيع الرحيل؟ بين الالتفات لم أرَ كائناً بشريًّا خلفي، وكأنّ الشروق انتهى عندما وجدت نفسي وحيدًا بين تلك القبور فريدًا وحيدًا، من كان زائراً اختفى، الالتفات إلى جميع الاتجاهات لم تفلح في وجود شخص ما، داهمني الخوف فجأةً، ماذا يجب فعله؟!

    سكونٌ ليس له ظلٌّ، ولا النور الذي ولدنا عليه، الظلام داجٍ بين أركانه وكأنّ النجوم توارت عمدًا ربما تريد قهري وتغييبي،حتى القمر لم يكن موجودًا في ذلك الظلام في هلاله أو بَدره! ذهبتُ سريعًا إلى الباب الحديدي حين وجدته مغلقًا صامدًا، وضعت يدي على المقبض محاولًا دفعه إلى الوراء لكن المحاولة فشلت!

    بدأ قلبي يتسلق إلى قمة رأسي، صرخت بالطاقة التي وجدها صوتي لعلَّ أحداً ما يسمع صوتي، المقبرة خالية إلا من الأموات، حاولت التسلق كالقطة كاندي التي تعيش معنا، لكنّي لم أفلح! تبيّن الجدار حينها أنه مرتفعٌ جدًّا، أين أذهب؟ ما عسى أن أفعل؟ المقبرة تبعد عن المدينة مسافة ثلاثة كيلومترات! أسندت ظهري للجدار وتاهت الأفكار في رأسي، تذكرت تلك المقولة «جاك الموت يا تارك الصلاة».

    جلستُ القرفصاء واضعًا راحة يدي على وجهي أنظر من خلال أصابعي إلى القبور والظلام معاً، أدعو الله أن ينقذني سريعاً في فتح ذلك الباب اللعين، تذكرت آية الكرسي وكلّ ما اختزنته في قلبي وعقلي من سِورٍ وآيات وفصول دعاء! الخوف يملؤني... بدأت أبكي وأصرخ لعلَّ أحدًا يسمع صوتي أثناء المرور من هذه المقبرة، تستطيع أن تصف المكان بما يضمّه القاموس العربي من مرادفات: خالٍ، خاوٍ، خَرِب، كئيب. وما هي إلا لحظات حتى بدأت عيني تتأقلم مع الظلام، حاولت جاهدًا أستجمع قواي الخفية في انتصار الخوف على الظلام، لكنّ الخوف ما زال يسيطر على تفاصيل جسمي الذي ينتفض، وسؤالٌ بعد سؤال حدّثت نفسي:

    هل هذا هو الموت؟

    هل هذه النهاية الموعودة؟

    هل أنا في البرزخ الذي يفصل عالم الحسابيوم القيامة؟

    عشرات الأسئلة وإجابتها لم تدوّن بَعْدُ ربما!

    تذكرت جدّي بعد رحيل والدي، في ربوع الطفولة عندما أخبرته خائفًا أنّي سمعت صوتًا، لا بل رأيت شيئًا مارًّا من خلال النافذة، ربما هناك سارقٌ في خلف المنزل أثناء الليل حيث العتمة تأخذ مكانها ذلك الوقت، أخذني بيدي وقسمات وجهه مبتسمة وقال: هل أنت خائف؟ تعالَ معي، كن رجلاً، لا تخف..إيّاكَ أن تخاف، دعنا نتأكد! فقلت له: الظلمة شديدة، قال لي: لا عليك، دقائق وسوف تعتاد حدقة عينيك على الظلام وترى كلّ شيءٍ، وهكذا لم نجد ذلك السارق الذي لم يكن أصلاً سوى خيال مبعثر!

    شعرتُ بدقات قلبي تهدأ قليلاً، أزحت راحة يدي من على وجهي أنظر إلى تلك القبور مرة بعد الأخرى، نهضت وقوفاً، حين تذكرت هناك باباً آخر يجب التأكد منه في الناحية الجنوبية، كان يجب أن أخترق هذه القبورللوصول، تقدمت الخطى أنظر بين شاهد وشاهد أسماء مختلفة، تمتمات متقطعة أردّدها بين الاستغفار والقبول بالحقيقة التي أراها، أنوارحلزونية عمودية تتموج حول نفسها متألقة بين السماء والقبور، إنّها مختلفة يعجز العقل وصفها، كأنّها تتأهب أن تجذب تلك الأجساد أو الأرواح إلى أعلى، لكن انعكاساها كان له الأثر الذي أضاء النور في قلبي والاطمئنان الذي لم أشعر به منذ ولادتي.

    أخذت خطوة بعد خطوة في التأني وأنا أقرأ شواهد الأسماء المكتوبة، منها ابن عمي، والآخر صديق سامي الذي توفى مع والده عندما انفجرت أنبوبة الغاز وجميعهم داخل الغبار الحلزوني بمن فيهم أبي، يرحبون حضورك معهم.. مبتسمون، شفاههم تنطق كلمات لم أسمع مفرداتها، أخذت أنظر إلى تلك المساحة من الأرض وأنوار السماء تتبادل بعضهاً بعضاً، وقفت قليلاً أتأملهم واحداً بعد الآخر، السندس الذي يرتادونه كان هو اللباس الذي أستطيع وصفه، رأيت أطفالاً يتراقصون فيما بينهم، رأيت الرجال والنساء على شاكلتهم التي أتوا بها عند الموت، الشاب أو الكهل الذي لم يعد كهلاً!

    استطاع أحد الأطفال أن يخرج من دائرة الضوء الحلزوني يرحب قدومي مبتسماً، نظراته كان تذكرني رؤيته، وضع رأسه ملتصقاً بين ساقي ورأسه في الناحية الأخرى، توكأت على قدمي أقبّله بين خديه الجملين الناعمين، أشار لي بسبّابته يقول شيئاً لا أفهمه، لاحظت نظرات أبي تتقدم نحوي بعد خروجه من تلك الأنوار المتموجة حول نفسها، رجوته أن يتقدم ويخبرني، خطواته كانت هادئة، قبّلت رأسه ثم يديه لكنه لم يتقبل أن أقبّل قدميه احتضنته مراراً، نظر الطفل لي وفعل بي كما فعلت مع والدي، ذهبنا جميعاً إلى دائرة النور حين انحنت الأنوار جمعيها علينا كأنها فرحة بتلاحمنا، لكن الأمر لم ينتهِ!

    سمعت صوتاً موسيقيًّا آخر من الناحية الأخرى يدندن بنغم مؤثر وشفتاه تتحركان في موج من الألحان!اقتربت إليه وابتسامته تزداد اتساعاً، رائحته تشبه عبير الياسمين، ربما هي نفسها أو شيء لا أستطيع وصفه.قبّلت يديه ورأسه، احتضنته في خدرٍ طال وقته، إنه جدّي، عبد الرسول، فرحاً بقدومي في حلقاتهم النورية، ابتسم كثيراً لكنه لم ينطق، أمسك بطرف يدي معه إلى سفرة دائرية جميلة لا تستطيع أن تصف تلك الألوان والزخارف، ذات صبغة تراثية، عليها عطاء الله، من روائح وألوان لم أرَها من قبلُ.

    أشار لي بالجلوس وهو يبتسم، تقدّم الجمع أيضاً بمن فيهم والدي والطفل الذي احتضنني، الجلوس على الأرض كان الأهم عندما التقطت أصابعهم الطعام يتحدثون وينظرون بعضهم، لم أستطع أن أفهم تلك اللغة ولا الحديث لكنهم غَارقون في الضحك والفرح، تذوقت بأصابعي الثلاثة كما يفعلون، طعاماً لم يكن طعاماً ذقته بَعْدُ، انتهى الطعام والجميع رحل بمن فيهم أبي وجدّي والطفل الجميل، نظرت إلى المقبرة وجدتها كما كانت مقفرة هادئة لا تستطيع أن ترى غير ذلك الباب القابع في زاويته الشمالية ينتظرك أن تفتحه وتخرج من هذا الحلم الذي كان...